4- ستر العورة:
وذلك لقوله - تعالى -:
﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]،
والمراد بالزينة ما يستُرُ العورة، والمراد بالمسجد: الصلاة؛ أي: استروا عورتَكم عند كل صلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
((لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار))،
ولحديث سلمةَ بن الأكوع قال: قلتُ: يا رسول الله، إني أكون في الصيد وأصلي في القميص الواحد، قال:
((نعم وأَزْرِرْه ولو بشوكة))،
وعلى ذلك فلو صلى عريانًا خاليًا، أو في قميص واسع الجيب ولم يُزرِّره، ولم يشُدَّ عليه وسطه، وكان بحيث يرى منه عورة نفسه في قيامه أو ركوعه ونحوه - لم تصحَّ صلاته.
ووجوب ستر العورة كشرطٍ لصحة الصلاة أمرٌ متَّفق عليه بين جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، ويرى بعض المالكية أن ذلك ليس من شروط الصلاة، مستدلين بقول الله - تعالى -:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]،
قالوا: فلو وجَب شيء آخر لذكره
ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأن سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبيِّنة لمجمل القرآن ومخصصة لعامِّه، وقد وردت أحاديث كثيرة بالحثِّ على وجوب ستر العورة في الصلاة كما في الأحاديث المتقدمة، فوجَب الرجوع إليها، هذا فضلاً عن أن الإجماع متحقِّق - كما قال ابن عبدالبر - على فساد مَن ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به وصلَّى عريانًا، قال: وهذا قد أجمعوا عليه كلهم.
حد العورة:
وكلامنا في حد العورة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول في عورة الرجال:
حيث أجمعت الأئمة على أن السَّوءتين من الرجال عورة، وأما ما عدا ذلك، فقد اختلف الفقهاء فيه على النحو التالي:
- فيرى جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية - والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه - أن عورة الرجل هي ما بين السُّرَّة والرُّكبة.
- ويرى الظاهرية - والإمام أحمد في رواية ثانية عنه - وابن أبي ذئب، أن العورة تنحصر في الفَرْجين فقط.
وسبب الخلاف في ذلك أثران ظاهرهما التعارض عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلاهما ثابت:
فالأول: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه جَرْهَد الأسلمي:
((غَطِّ فخِذَك؛ فإن الفخِذَ عورةٌ))، وقَصَدَ الراوي.
والثاني: حديث أنس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسر الإزارَ عن فخذه يوم خيبر، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه"
ويمكن الجمعُ بين الحديثينِ المتقدِّمين بأن يكون كشف الفخذ من خصوصيات الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسِّي به - صلى الله عليه وسلم - فالواجب والأحوط ديانةً التمسُّكُ بتلك الأقوال التي تنص على أن الفخذ عورة، وهذا ما ذهب إليه الإمام الشوكاني
هذا، ومع اتفاقِ جمهور الفقهاء على أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، فقد اختلفوا في نفس السرة والركبة، هل يعتبران في عداد العورة أم لا؟
فذهب الشافعي في أصح الروايات عنه إلى أنهما غير داخلتينِ في العورة، وهو مذهب الإمام أحمد، وعند الشافعية وجه ضعيف أن السرة عورة دون الركبة، وهذا عكس ما يراه الحنفية؛ حيث يرون أن الركبة عورةٌ دون السرة، وهو وجه ضعيف آخر عند الشافعية.
- وقد استدلَّ أصحاب الرأي الأول بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عمرُو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
((إذا زوَّج أحدُكم عبدَه أَمَته أو أجيرَه، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة))؛ولأن الركبة حدٌّ فلم تكن من العورة كالسُّرة. - وأما مَن قال بأن الركبة من العورة دون السرة - وهو رأي الحنفية والهادوية - فقد استدلُّوا بتقبيلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسرَّة الحسن، وبحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
((عورة الرجل ما بين سُرَّته إلى ركبته)). - وأما مَن ذهب إلى أن السرة عورة دون الركبة، فقد استدلُّوا ببعض الأحاديث التي تُفِيد أن الرُّكبة ليست بعورةٍ، كرواية أبي موسى "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قاعدًا في مكان فيه ماءٌ فكشَف عن ركبته أو رُكْبَتيه، فلما دخل عثمان غطَّاها"




النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.