كل صفحة كانت تعيده إلى الأمس. إلى تلك اللحظات التي ظنها عادية، فإذا بها كنوز ضائعة. شعر لأول مرة بثقل “لو”. لو تحدث، لو واجه، لو صدق… كم “لو” يمكن أن يحملها قلب رجل واحد؟
جلس سالم طويلًا، والدفتر بين يديه، يشعر أن اليوم يواجه الأمس دون رحمة. لم يعد ذلك الشاب الذي يخاف الكلمة، لكنه أيضًا لم يعد يملك الفرصة. أدرك أن بعض الأبواب إن أُغلقت، لا تُفتح مهما ندمنا.
خرج من البيت مع الغروب. الشارع نفسه، لكنه ليس الشارع الذي كان يعرفه. الناس يمشون بسرعة، كأن الزمن يطاردهم، أو كأنهم يطاردونه. تذكر نفسه في الأمس، وهو يمشي بلا خوف من الفوات.
في تلك الليلة، كتب سالم رسالة. لم يكن يعلم لمن يكتب بالضبط، لكنه كتب. كتب لمريم، لنفسه القديمة، لكل شيء لم يُقَل. كتب عن الندم، وعن الفهم المتأخر، وعن درسٍ تعلمه بعد أن انتهى الامتحان.
لم يرسل الرسالة. لم يكن لها عنوان. لكنه شعر براحة غريبة، كأن الاعتراف—even المتأخر—خفف شيئًا في داخله. فهم أخيرًا أن بعض الكتابات لا تهدف للوصول، بل للنجاة.
بين الأمس واليوم، تغيّر سالم، لكن بثمن. تعلّم أن الصمت قد يبدو حكيمًا، لكنه أحيانًا جبان. وأن الانتظار ليس دائمًا صبرًا، بل قد يكون هروبًا. وأن الحب، حين لا نعتني به، لا يموت فجأة، بل يذبل ببطء حتى نعتاد غيابه.
في الصباح، خرج سالم إلى حياته من جديد. لم يعد يحمل وهم الرجوع إلى الأمس، لكنه حمل درسه. قرر أن يكون أكثر صدقًا، أقل ترددًا، وأشد وعيًا بقيمة اللحظة. فهم أن اليوم هو الفرصة الوحيدة المؤكدة، وأن الغد قد لا يمنحنا وقتًا لتصحيح الأخطاء.
هكذا هي القصة بين الأمس واليوم: ليست عن خسارة فقط، بل عن وعيٍ يأتي متأخرًا، وعن قلوب تنضج بعد الألم. قصة تُشبه كثيرين، عاشوا الأمس بلا خوف، واستيقظوا اليوم وهم يدركون أن بعض الأشياء، إن لم نحسن الإمساك بها في وقتها… نفقدها إلى الأبد.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.