بين الأمس واليوم… قصة قصيرة مؤثرة،بين الأمس واليوم مسافة لا تُقاس بالسنوات وحدها، بل بما تغيّر في القلوب، وما سقط من الأحلام، وما نضج من الألم. هناك أشياء تمرّ بنا فنظنها عابرة، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت مفترق طرق، وأننا لو عدنا خطوة واحدة إلى الخلف، لاخترنا بشكل مختلف… أو ربما لا.
كان “سالم” يجلس في الغرفة نفسها التي كبر فيها، لكن كل شيء بدا أصغر مما كان عليه في الأمس. الجدران التي كانت تتسع لأحلامه، ضاقت. النافذة التي كان يرى منها العالم، صارت لا تطل إلا على ذكريات. حتى صوته حين تنهد، بدا غريبًا عنه، كأنه صوت رجل آخر يسكن جسده.
في الأمس، كان سالم شابًا يعتقد أن الوقت ملكه، وأن الفرص لا تنتهي، وأن الغد دائمًا أكثر رحمة. كان يؤجل كل شيء: الاعتذار، القرار، وحتى الحب. كان يقول لنفسه: “ليس الآن”، دون أن يدرك أن “ليس الآن” قد تتحول يومًا إلى “لم يعد ممكنًا”.
في ذلك الأمس البعيد، كانت “مريم” جزءًا من تفاصيله اليومية. لم تكن قصة حب صاخبة، بل حضورًا هادئًا، ثابتًا، يشبه الأمان. كانت تفهم صمته، وتبتسم لتردده، وتنتظر كلماته التي لا تأتي. كان يعلم في داخله أنها تنتظر شيئًا واحدًا فقط: الصدق. لكنه خاف، لا منها، بل من التزام الكلمة، ومن ثقل الوعد.
مرت الأيام، وتحوّلت العلاقة إلى عادة، ثم إلى صمت طويل. وحين قررت مريم الرحيل، لم تصرخ، لم تعاتب، فقط قالت بهدوء موجع: “أنا تعبت من الانتظار.” ظن سالم حينها أن الأمر بسيط، وأنها ستعود، كما تعود كل الأشياء التي اعتاد وجودها.لكنها لم تعد.
بين الأمس واليوم، تغيّرت حياة سالم. عمل جديد، مسؤوليات أكبر، ووجوه كثيرة مرّت، لكنها لم تترك أثرًا حقيقيًا. كان يضحك، يتحدث، ينجح، لكنه في كل مرة يجلس وحده، يعود ذلك الفراغ القديم ليجلس بجانبه. الفراغ الذي لم يعرف اسمه إلا متأخرًا.
اليوم، بعد سنوات، عاد سالم إلى بيت العائلة بعد وفاة والده. جاء ليجمع الأغراض، ليغلق صفحة، لكنه فتح صفحات لم يكن مستعدًا لها. في درجٍ قديم، وجد أشياء منسية: صورًا، رسائل، ودفترًا صغيرًا. فتحه، فتعرف فورًا على الخط. كان خط مريم.لم تكن الرسائل عتابًا، ولا شكاوى.
كانت كلمات بسيطة، صادقة، تكتب فيها عن أيامها، عن أملها، عن محاولتها أن تبقى قريبة رغم البعد الذي صنعه هو. كانت تكتب وكأنها تعلم أن هذه الكلمات قد لا تُقرأ أبدًا، لكنها كتبت لأنها لم تستطع الصمت.

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.